|
أويد الخصخصة في كثير من القطاعات
باستثناء قطاعات الصحة والتعليم الأساسي والغذاء والطاقة حيث يجب
أن تحافظ الحكومة على سيطرة كبيرة على هذه القطاعات لا سيما قطاع
الصحة. ففي قطاع الصحة لا تخضع عملية تبادل سلعة "الخدمة الصحية"
لقوانين إقتصاد السوق ولأسباب مختلفة أهمها أن الطلب على الصحة
كسلعة لا يتأثر بالسعر كما تتأثر به معظم السلع الأخرى كالسيارة
وجهاز التلفزيون فمن يحتاج الخدمة الصحية لا بد وأن يحصل عليها
بغض النظر عن السعر الذي يطلب منه ، ومن هذه الأسباب أيضاً أن
عنصر التماثل المعرفي حول السلعة "الصحة" غير موجود فمن يطلب
الخدمة الصحية في الأغلب هو جاهل في ما يتعلق بالسلعة التي
يطلبها مقارنة مع البائع (الطبيب أو المستشفى) والتماثل المعرفي
حول السلعة بين البائع والمشتري هو أحد الشروط المعرفة للسوق
الحر. هذه الأسباب وغيرها تفسر التدخل الكبير للحكومات في تنظيم
وإدارة وتمويل وتقديم الرعاية الصحية في جميع دول العالم حتى في
أمريكا عرابة اقتصاد السوق.
إن توجه وزارة الصحة المعلن إلى تقديم جزءٍ من خدماتها الصحية
عبر المستشفيات الخاصة هو توجه يعكس سياسة خصخصة للقطاع الصحي في
الأردن ومن يقول بعكس ذلك فهو لا يفهم معني كلمة خصخصة حيث يعرف
المفهوم على أنه عملية نقل مسؤولية إنتاج سلعة أو تقديم خدمة من
القطاع العام إلى القطاع الخاص ، كما يعرف المفهوم أيضاً بأنه
عملية نقل إدارة أو ملكية نشاط اقتصادي إما جزئيا أو كلياً من
القطاع العام إلى القطاع الخاص. تمثل عملية الخصخصة المخطط لها
والتي تنوي وزارة الصحة توريط البلد بها شكلاً مشوهاً من اشكال
الخصخصة حيث سيتم دفع تكاليف هذه العملية من صناديق تشرف عليها
الحكومة وليس من جيب الفرد مباشرة. ففي قطاع الإتصالات الذي تمت
خصخصته يدفع المواطن من جيبه مباشرة وبدون وساطة أو وصاية تكاليف
الخدمة التي يحصل عليها مما يشكل عامل توازن فلا يبغي فريق على
آخر. أما في مجال الصحة وعند الخصخصة فإن "النخبة الواصلة" من
المواطنين هم من سيحصلون على الخدمة الصحية "المتميزة" وستدفع
الحكومة حصة الأسد من الفاتورة بمعنى أن المستفيد المباشر هو غير
من يتحمل التكلفة المباشرة. إن هذه الوصفة "تقديم السلعة من قبل
القطاع الخاص إلى مستفيد قوي لا يتحمل التكلفة وتتحملها الحكومة"
لهي الوصفة السحرية لافلاس صناديق التأمين الصحي الحكومية وبوقت
قياسي وبما أن الحكومة لا تفلس فستلجأ إلى رفع رسوم وتكاليف
التأمين الصحي والضرائب لتغطية العجز وإثقال كاهل المواطن دافع
الضريبة المثقل أصلاً بمزيد من الضرائب لتمويل الرعاية الصحية
للنخبة الواصلة من المواطنين.
تواجه وزارة الصحة صعوبات متعددة في سعيها لتقديم الخدمة الصحية
للمواطنين والمؤشرات لا تدل على أن وزارة الصحة تقوم بمهمتها على
أكمل وجه فقد تم مؤخراً إدراج مرض الكبد الوبائي سي ضمن الأمراض
السارية في الأردن وأصبح السل المقاوم للأدوية مشكلة قائمة وصارت
قضية التهجم من قبل العامة المحبطين على الخط الأول من عاملي
مستشفياتنا من أطباء وممرضين مشكلة متكررة. جميع هذه المشاكل
وغيرها أعراض تعكس خللاً أكبر تعاني منه هيكليات وإجراءات مؤسسات
الرعاية الصحية العامة. لكن ليس الحل أن نخصخص تقديم الرعاية
الصحية ونبقي التمويل وإدارته حكومياً.
تمثل إتفاقية المعالجة مع القطاع الخاص علاجاً تلطيفياً لحظياً
لا يلمس ولا يعالج بل يعمق المشكلة الجوهرية التي يعاني منها
القطاع الصحي الحكومي . إن عملية الخصخصة الجزئية هذه ستكون ذات
عواقب وخيمة على نظام الرعاية الصحي في الأردن وعلى غيره من
أنظمة الإنتاج الأخرى. إن الحل الفاعل والصعب والذي يتطلب جلداً
واستمرارية والتزاماً من أعلى الجهات أن تتم عملية تقييم شاملة
لنظام الرعاية الصحية الأردني وتحديد المشاكل الحقيقية بوضوح
ودقة ومن ثم وضع الخطط طويلة وقصيرة الأمد الكفيلة بحل هذه
المشاكل. |