|
منذ وقت طويل آمنت بتعاون وزارة الصحة مع القطاع الطبي الخاص
لتقديم الخدمة للمؤمّنين لديها حينما لا تتمكن هي من تقديم هذه
الخدمة أي عدم توفر أسرة في مستشفياتها لمستحقيها.. لكن هذا
المبدأ العام ليس مقصوداً به تنفيع أصحاب المستشفيات لذا لا
ينبغي أن يكون مفتوحاً على مصراعيه دون حساب تكاليفه حساباً
ماليا دقيقاً ودون دراسة نتائجه الإدارية على النظام الصحي الذي
تطور على مدى السنين معتمداً على التحويل الدائري ببطاقة
المعالجة التي يحملها كل مواطن ويعالج بواسطتها في المركز الصحي
المسجل فيه حصراً ثم المركز الشامل ثم مستشفى المنطقة وهو النظام
الذي مازال يحقق النجاح النسبي في التخفيف من أضرار الازدواجية
لولا سوء الادارة هنا وهناك وفي تقليل الهدر في صرف الادوية رغم
شبهة الفساد أحيانا، كما لا ينبغي أن يكون هذا التعاون صفقة لا
يعلم أحد حدودها ومداها فالاتفاقية التي تم توقيعها في أواخر
العام الماضي بين الوزارة ومستشفيات القطاع الخاص تقوم على قاعدة
الفاتورة المفتوحة وهي - حسب الخبرات العالمية الموثقة - وصفة
جاهزة لاستنزاف أموال أي صندوق تأمين صحي بسبب سهولة اساءة
استغلالها من قبل المستشفى خصوصاً إذا قامت على الرقابة جهة
خارجية هي شركة محاسبة خاصة، مع أن المفترض بداهة أن الصندوق هو
صاحب الحق في الاشراف على العملية برمتها وتدقيق حساباتها لأنه
المؤتمن على أموال المشتركين فيه، هذا وقد نبّهتُ من قبل لخطورة
الفاتورة المفتوحة Fee for Service وضرورة استبدالها بأي طريقة
أخرى أقرب للصدق والدقة مثل ةCG DRG dG التسعيرة المقررة مسبقاً
لكل مجموعة من الأمراض والجراحات والمأخوذة عن مؤسسات صحية كبرى
ذات خبرة طويلة في هذا المضمار، وقد جربتها وزارة الصحة عندنا
قبل عشرين عاماً في مجال الولادات الطبيعية لكنها لم تستطع
التوسع فيها آنذاك بسبب انشاء المؤسسة الطبية العلاجية التي مزقت
النظام الصحي واربكت اداءه حتى اقتنع مجلس الأمة بضرورة إلغائها
عام 1990 ..
أما التعديل الذي ادخل على الاتفاقية مؤخراً والذي منح الوزراء
الحاليين والسابقين امتيازات يجري التباهي بها مع أنها ليست
جديدة فقد كانوا يتمتعون بها كل الوقت بمكرمة ملكية منحتهم منذ
ثلاثين عاما بطاقات تأمين للمعالجة في مدينة الحسين الطبية
مجاناً ودون أن تتكلف وزارة الصحة عنهم فلساً واحداً، أما الان
فبدخولهم أي مستشفى خاص دون تحويل أنما يعني أولاً فصلهم عن
خدمات وزارة الصحة فصلاً تاماً وتوجهاً متدرجاً لاهمال دور
الطبيب العام وحتى الاختصاصي الحكومي وتسليم الأمر كله للمستشفى
الخاص وأصحابه وليس بالضرورة أطبائه ! ويعني ثانيا أن المبلغ
البسيط الذي زيد على الاقتطاع الشهري من رواتبهم - بالمفهوم
المالي التأميني - لا يمكن أن يكون موازياً لمخاطر الانفاق
الكبير الذي سوف تحفل به الفاتورة المفتوحة المنفوخة! ويعني
ثالثا أن عدم مشاركتهم -Paymentُ بنسبة مئوية من الفاتورة يجعلهم
غير مبالين بتدقيقها..
من الواضح أن مستشفيات القطاع الخاص هي المستفيد الحقيقي من مثل
هذه الاتفاقات بدليل حماسها للتوسع فيها حتى تشمل فئات أخرى من
الموظفين المؤمَّنين لا لسواد عيونهم أو حرصاً على صحتهم الغالية
بل رغبة في مزيد من الدخل علماً بأنها أو معظمها تحقق ارباحاً
كبيرة حسب ((معلومات)) ضريبة الدخل.. وحول حقيقة مثل هذه
المستشفيات حتى في الولايات المتحدة اتمنى على المسؤولين الصحيين
والمهتمين بالشؤون الصحية العامة الاطلاع على كتاب جوزيف
كاليفانو جونيور وزير الصحة في عهد الرئيس كارتر بعنوان
(((؟َّ؟فذ ُوط ؟َّمى ُوط ؟َّمًّىج ُوط / َُىًٌُُِّّّمز مْف
وٌُّفمب َّ فكىْمٍء) ومشروع التأمين الصحي الشامل الذي وضعته
السيدة هيلاري كلينتون عام 1994 وكيف أفشله الكونغرس، وأخيراً
فيلم مايكل مور الجديد بعنوان سيكو.. ًُكىس وبعد هذا وقبله
العودة لدراسات منظمة الصحة العالمية حول دور المستشفيات المندمج
في الرعاية الصحية .
ويبقى السؤال الهام: هل يمكن تحسين خدمات مستشفيات وزارة الصحة
لكي تضاهي المستشفيات الخاصة ويجد فيها كل المؤمَّنين اسرة كافية
لهم خاصةً بعد أن قامت الحكومة ببناء عدد من المستشفيات الجديدة
وآخرها مستشفى الأمير حمزة؟ الجواب نعم بشرطين : 1. أن تقوم
مؤسسة الضمان الاجتماعي بواجبها تجاه مشتركيها حسب قانونها (
المادة 3، البند 4 - التأمين الصحي للعامل والمستحقين ) وذلك لدى
القطاع الطبي الخاص إذ أن مئات الآلاف منهم غير مؤمّنين ويشكّلون
في الوقت الحاضر ضغطاً كبيراً على مستشفيات وزارة الصحة ويشغلون
نسبة عالية من أسرّتها.
2. أن تفعّل وزارة الصحة الوظيفة الحقيقية للمراكز الصحية
الشاملة لتمتص عدداً كبيراً من المرضى الذين ليسوا بحاجة لدخول
المستشفيات، وهم الآن يراجعون مع ذويهم بالآلاف ما يسمى عيادات
الاختصاص التي ستصبح غير ضرورية مما يحسّن الخدمة الفندقية
ويوفرّ الوقت الكافي للاطباء لتقديم عناية أفضل لمرضاهم في
المستشفى.
وبعد .. نعود للاتفاقية التي لا أعارضها من حيث المبدأ لكني
أنتقدها وقلبي على صندوق التأمين الصحي من أن تتراكم عليه الديون
بسبب الفاتورة المفتوحة فتسنح الفرصة الذهبية التي يتلهف عليها
دعاة الخصخصة وينتظرها البعض لشراء مستشفيات الدولة .. |